ثوار القصير … بين هزيمة النظام وفخ الدولة


يبدو أن تنظيم الدولة ساهم في كتابة السطر الأخير من أسطورة ثوار القصير، الذين أذاقوا النظام ويلات لم يتمكن من ابتلاعها، إلا بمساعدة من ميليشيا حزب الله اللبناني؛ وتهجير سكان المدينة في حزيران من العام 2013؛ خلال أقل من عامين استطاع ثوار القصير في ريف حمص الجنوبي ضرب أروع أمثلة التضحية، وافتداء ثورة الشعب السوري بالدم، رغم وجود بعض المآخذ على تصرفات يمكن اعتبارها “فردية” لا يمكن سحبها على فصيل كامل.

سكان منطقة القصير لا يزيد عددهم عن المئة وخمسين ألف نسمة، فيهم ما فيهم من الأعراق والطوائف، وكغيرها من المناطق السورية كانت المشاركة الساحقة في الثورة السورية من المسلمين السنة، وليس جميع “السنة”، ومن التحق بركب السلاح لم يزد عددهم عن ثلاثة أو أربعة آلاف شاب، بينما كان زاد عدد الشهداء عن ألفي شهيد خلال تلك الفترة الزمنية، أغلبهم سقط بسبب القصف الهمجي من قبل قوات النظام على المنطقة.

بعد حزيران 2013، غادرت أغلب الفصائل المسلحة “القصيراوية” إلى منطقة القلمون بريف دمشق، وهي بشكل رئيسي “لواء أحرار العاصي، لواء القصير، المغاوير، صقور الفتح” التابعين للجيش السوري الحر وبعض الكتائب الصغيرة التي لا يحضرني اسمها حالياً؛ و “بشائر النصر، وفرقة الفاروق المستقلة، وكتائب البراء”، وكانت بشائر النصر وفرقة الفاروق تحت لواء “كتائب الفاروق” إلا أنها انشقت فيما بينها وانفصلتا عن بعضهما وتبعت بشائر النصر للجبهة الإسلامية، بينما بقيت فرقة الفاروق المستقلة بلا أي عمل عسكري ولا تبعية لأحد، وكتائب البراء بايعت بداية جيش الإسلام.

ربما تبديل الولاءات الخارجية كان العامل الرئيسي في تشعب الفصائل المسلحة في منطقة القصير، وكانت الكتائب والألوية الوهمية أمر رائج، لدرجة أن تقديرات أعداد المقاتلين وصلت إلى نحو خمسة عشر ألف مقاتل والرقم الحقيقي أقل من ذلك بكثير، وهو ما دفع حزب الله والنظام في وقت لاحق لحشد عدد كبير من القوات والعتاد لاقتحام المدينة والسيطرة على المنطقة.

بعد وصول “ثوّار القصير” إلى منطقة القلمون بدأت الأمور بالتدهور من حيث الدعم العسكري، وذلك بسبب الاختراق الكبير للفصائل العسكرية في منطقة القلمون، ما دفع بعض الفصائل -مثل بشائر النصر- بالمغادرة إلى الشمال السوري، بينما بقيت تشكيلات أخرى دون المشاركة بأي عمل مسلح بعد الخروج من القصير مثل “فرقة الفاروق”، بينما دخلت فعلياً على الخط كل من تنظيمي الدولة وجبهة النصرة، التي استطاعت استقطاب عدد من أبناء منطقة القصير المسلحين.

اعتمد تنظيم الدولة على عاملين رئيسيين، هو سوء إدارة الدعم من قبل القادة الميدانيين، المشروط أصلاً من قبل الداعم الخارجي، إضافة إلى التركيز على العامل الديني وتكثيف الجهود التبشيرية للتنظيم، واعتبار كل من لا يتبع له “مرتد أو كافر”؛ في وقت سقطت فيه مدن القلمون تباعاً لأسباب لا يتسع المجال هنا لذكرها، ما جعل الفصائل المسلحة محاصرةً في منطقتي القلمون الشرقي والغربي (شرق طريق دمشق الدولي وغربه)، ورصدت قوات النظام الطرق المؤدية إلى هذه المناطق بالصواريخ الحرارية (كورنيت).

رغم إجراءات قوات النظام حافظ تنظيم الدولة على طرق الإمداد إلى منطقة القلمون عموماً والجرود الواقعة في القلمون الغربي خصوصاً، حيث بقي هناك أغلب الفصائل المسلحة “القصيراوية” مقطوعةً بلا دعم أو إمداد لأشهر تحت غطاء الطيران الحربي الذي تابع حصد أرواح المزيد، ما دفع -بطريقة أو بأخرى- بعض الفصائل إلى مبايعة تنظيم الدولة مثل فرقة الفاروق وكتائب البراء التي تركت الولاء لجيش الإسلام.

في شهر تشرين الثاني 2014 اختطف تنظيم داعش أبرز قادة المغاوير “عرابة ادريس والمنشار”، واغتيل المنشار، وسرت أنباء عن إعدام “عرابة” الأمر الذي أثار عاصفة من ردود الأفعال، خصوصاً ما يتعلق بالسجل الثوري الحافل للملازم أول عرابة إدريس، واتهم التنظيم “عرابةَ” بالتخابر مع حزب الله وما تبين أنها تهمة كاذبة، واستخدمها التنظيم لتصفية أغلب خصومه، حتى في تصفية أعضائه أيضاً، عندما قام شرعي التنظيم في القلمون (المكنى بالمقدسي) بتصفية أمير التنظيم في التنظيم (المكنى بالبانياسي)، وذلك بعد تقارب بين البانياسي وأبو مالك أمير جبهة النصرة في القلمون، وفي وقت لاحق “أبو عرب” قائد لواء القصير.

بعض المسلحين بدأوا بالانشقاق عن الفصائل المسلحة الأخرى وسرق بعض العتاد من مستودعاتها والهرب إلى الأماكن التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، ما خلق تهديد جديد للفصائل المسلحة متمثلاً بنفاذ مخزونها وتوقف الدعم وقطع طرق الإمداد، ما دفع كل من “أبو عرب الزين” قائد لواء القصير، و “موفق أبو السوس” قائد فرقة الفاروق، إلى إعلان البيعة لتنظيم داعش، وذلك بعد وعود من جانب التنظيم بفتح معركة في منطقة القصير لاستعادتها من قبضة النظام وحزب الله.

كان الوعد الأخير الحلم الذي يراود أغلب أبناء منطقة القصير الحلوى التي أوقعت بثوار القصير، أغراهم بها تنظيم الدولة من أجل الانضمام إليه، وقام بنقل أول دفعة من منطقة جرود القلمون إلى محافظة الرقة عبر طرق إمداده المرصودة بكورنيت النظام، وادعى أن اشتباكاً حصل قرب بلدة مهين وتم خلاله تصفية المقدم “محي الدين الزين (أبو عرب)”، الذي كان على خلاف مع شرعي التنظيم في القلمون (المقدسي)، وسعي تنظيم الدولة إلى سحب كل من بايعه وقبل بيعته إلى مناطقه الرئيسية بعيداً عن أمل أبناء القصير في العودة إلى منطقتهم.

ليكون تنظيم الدولة مشاركاً في وأد حلم أهل القصير بالعودة إلى منطقتهم معززين مركمين، مستغلاً ظروف مقاتليها الصعبة بشكل مباشر، الأمر الذي يثير تساؤلات حول تدبير محتمل بين النظام والتنظيم لتنفيذ ذلك، بغباء أو طيب نية من مقاتلي القصير الذين كانوا في يومٍ ما في واجهة الثورة وحاملي رايتها الأوائل.

في هذه الأسطر استعرضت معلومات معروفة لدى الجميع، ورأيي الأخير قد يكون خاطئاً تماماً، وقد يكون مصيباً تماماً، أعرضه هنا متمنياً لبلدي النصر على الظلم أينما وكيفما وجد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s