النموذج الكوري في الأمر الواقع السوري


كثيرون كتبوا المقالات والأبحاث حول سيناريوهات الحل في سورية، بين النموذج العراقي أو اللبناني أو الصومالي أو اليوغوسلافي وحتى على الطريقة الرواندية، وآخرون وضعوا فرضيات جديدة وغيرهم عاد بهم الأمر لاستذكار تجارب قديمة جداً كنموذج ويستفاليا الذي أنها حرب الثلاثين عاماً في أوروبا في القرن السابع عشر والذي أدى لظهور “دولة الأمة” المبنية على فكرة القومية وأدى لانتهاء أجل امبراطوريات ودول ظلت معمرة لقرون وبروز دول جديدة أقرب ما تكون حدودها لما هي عليه اليوم حدود الدول الأوروبية المعاصرة.

ما واجه كل من كتب عن الواقع السوري هو صعوبة الإسقاط على وقائع أخرى، ويظهر من عنواني أنني أريد الحديث عن احتمال تقارب المسألة السورية مع نظيرتها الكورية، حيث اندلعت الحرب الكورية في خمسينيات القرن العشرين واستمرت لثلاثة أعوام ويعتبرها كثير من المؤرخين طليعة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي والرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، ورغم ذلك فإن دخول الولايات المتحدة بقواتها لم يقابله دخول مباشر للاتحاد السوفيتي في الحرب الكورية، بل كان الدخول للصين التي ما زالت تلعب دور الوصي على كوريا الشمالية.

ماذا حصل في الحرب الكورية؟

بين العامين 1950 و 1953 استمرت الحرب الكورية (بإمكانكم قراءة مقال تفصيلي من هيئة الإذاعة البريطانية BBC) بدأت باندفاع نحو خمسة وسبعين ألفاً من جنود جيش الشعب الكوري الشمالي لتكسر خط العرض 38 الذي كان يمثل الحدود بين الكوريتين، بعد إعلان الزعيم الشيوعي كيم إيل سونغ قيام “جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية” عام 1948، بعد ثلاثة سنوات من انسحاب اليابان عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وبعد أقل من شهر من إعلان الحرب دخلت أمريكا، وانحسرت القوات الشيوعية شمالاً لمناطق محدودة مع الحدود الصينية، لتتدخل الصين وتعود الحدود إلى ما كانت عليه ولكن؟

حسب مقال هيئة الإذاعة البريطانية فإن الحرب الكورية كانت دموية بشكل استثنائي “فقد قتل فيها أكثر من 5 ملايين إنسان أكثر من نصفهم من المدنيين شكلوا 10 بالمئة من مجموع سكان الكوريتين. وكانت نسبة الخسائر تلك أعلى من الخسائر المدنية في الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام”.

هل يمكن قياس المسألة السورية على المسألة الكورية؟

القياس ممكن إجمالاً، إذ أن ما قيست عليه المسألة السورية أيضاً لم يكن على مقاسها تماماً، البعض كان فضفاضاً والبعض كان ضيقاً، فلا بأس -من وجهة نظري- إن صنعنا من خرق الحرب الكورية ثوباً يستر عورة المسألة السورية، ومن آيات إمكانية ذلك: وجود معسكرين حقاً أحدهما موالٍ لأمريكا (مجلس سورية الديمقراطية وقواته) والآخر موالٍ لروسيا (النظام وقواته)، ويقابل ذلك كوريا الجنوبية الموالية للغرب والشمالية الاشتراكية في الحالة الكورية.

وعدم إمكانية القياس سببها الأول عدم وجود مواجهة مباشرة بين المعسكرين الأمريكي والروسي، بل إن الموجود هو تفاهم على تقاسم الكعكة السورية -على ما يبدو- أو أقل ما يمكن وصفه تفاهم لعدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة تستنزف القوتين العالميتين وإبقاء الصراع بين اللاعبين الصغار، ولا ضير إن تم تحويله ضد فئة واحدة فقط يطلقون عليها “التنظيمات الإرهابية”. وذلك في الوقت نفسه ما دفعني إلى اختيار النموذج الكوري للقياس عليه، وبالطبع فإن هذا الرأي قد يكون خاطئاً تماماً وقد يحمل بعض وجوه الصحة.

وقائع:

في العاشر من شهر أيلول/سبتمبر 2016 اتفق وزيرا الخارجية الأمريكي جون كيري والروسي سيرغي لافروف على كثير من الأمور بشأن سورية بعد مفاوضات استمرت لأربع عشرة ساعة جمعتهما في مدينة جنيف السويسرية بمشاركة فرق فنية متخصصة من الدولتين الفاعلتين، ما أريد الإشارة إليه أن ذلك الاجتماع تطرق لتحديد هوية الفصائل المسلحة على الأرض وتحديد تصنيفها لدى الطرفين، معتدلة او متطرفة، وبالتالي تصنيفة المتطرفة منها على قوائم الإرهاب وتنسيق جهود محاربتها، والبارز في ذلك الاجتماع اعتبار “قوات سورية الديمقراطية (قسد)” التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) التابع لحزب العمال الكردستاني (PKK) نواتها وقوتها الرئيسية، قوات محايدة بين النظام والمعارضة، وبتعبير أدق اعتبارها طرفاً ثالثاً.

بناء عليه لم يتم إدخال “قسد” في أي من المباحثات التي جرت بعد ذلك في أستانة وجنيف، وإطلاق يد روسيا في الشأن السوري لاحقاً، واقتصار الدور الأمريكي -إلى حد بعيد- في دعم حرب “قسد” على تنظيم “داعش”، ذلك كله دفعني للقياس على النموذج الكوري في رسم حدود مستقبلية على الأرض السورية، قد ينتج عنها سوريتان، شمالية تابعة للولايات المتحدة، وجنوبية تابعة لروسيا، ويبدو أن إدارة ترامب تتابع ما رسمته إدارة أوباما في هذا الشأن وكانت شجاعة أكثر عندما أعلنت وقف برنامج تدريب وتسليح “المعارضة المعتدلة”، وذلك ربما ما دفع تركيا للدخول في منطقة جرابلس لإيجاد موطئ قدم لها بعدما اتخذ قرار إبعاد القوى الإقليمية، حيث تم إلهاء السعودية وقطر ببعضهما بينما تعهدت روسيا بسحب الميليشيات الإيرانية.

هذه القراءة لم تكن ممكنة  قبل أن يبدأ تطبيق اتفاق مناطق تخفيف التصعيد على الأرض، حيث كانت روسيا الضامن في كل مناطق تطبيقه باستثناء إدلب التي بات لها قضيتها الخاصة، وأصبحت -على ما يبدو- خارج سيطرة تركيا الضامن الثالث إلى جانب روسيا وإيران في أستانة، لتتفرد روسيا شيئاً فشيئاً بإدارة المناطق الجنوبية من سورية وليرسم نهر الفرات الحدود بين السوريتين المرشحتين للظهور إذا تطورت الأمور وفق النموذج الكوري، غير أن المفارقة التي ستحدث أن النموذج السوري لن يكون بذلك الاستقطاب الحاد نظراً لاختلاف الظروف الدولية عن مثيلته في كوريا.

خاتمة:

في النهاية لن يكون النموذج السوري مطابقاً لأي نموذج سبق أن شهده التاريخ الحديث والمعاصر، لا نموذج ويستفاليا ولا العراقي أو اللبناني أو الأفغاني أو اليوغوسلافي، قد يكون -من وجهة نظري- أقرب للنموذج الكوري ومن آيات اختلافه عنه أيضاً وجود عامل عرقي في الفصل بين السوريتين، كردي في الشمال وعربي في الجنوب، وتكون نتيجته جنوباً تحت سيطرة أقلية طائفية وتحت قبضة أجهزة أمنية فاسدة ودموية، وشمالاً متعدداً عرقياً وثقافياً يسيطر عليه حزب يساري عرقي مع انفتاح على الجار الجنوبي وتوتر مع الجار الشمالي (تركيا).

map.jpg
لمعاينة المصوّر دون علامة مائية ينصح قراءة الملف المرفق أدناه

 ⇓ قراءة وتحميل التقرير بصيغة PDF ⇓

النموذج الكوري في الأمر الواقع السوري

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s