مواقع التواصل تعزز الانغلاق


منذ دخول البشرية فعلياً عصر الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي كانت مواقع التواصل الاجتماعي من أبرز مقاصد مستخدمي هذه الشبكة، ولعلها من أبرز مخرجاتها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ما أود الحديث عنه مبني على ما شاهدته وعشته لمدة قد تصل لعشر سنوات إن صنفنا مواقع الدردشة البدائية وبرامج المحادثة على الموبايلات القديمة (العاملة بنظم تشغيل جافا وسيمبيان) صنفاً من هذه “المخرجات”.

موقع فيسبوك افتتح رسمياً عام 2004، إلا أنه حُجب في سورية عام 2008 على ما أذكر بدعوى أن جهات معادية تعمل عليه “لحرف فكر شباب الأمة العربية”، ولم ينتهِ هذا الحجب إلا بحلول ربيع العام 2011، في ظل اندلاع الثورة السورية ضمن سياق الربيع العربي الذي -برأيي- لم ينجحْ إلا في تونس، وكان هذا الموقع -وبدرجة أقل موقع تويتر- بوابة لنشر الأخبار بعيداً عن الإعلام التقليدي الذي تحكمه قوانين السلطات التي قامت ضدها تلك الثورات أصلاً.

لم تكن سورية وحيدة في هذا المجال أو حالةً شاذة إذ كان العالم كله يعيش تجربة “الإعلام الجديد”، وبعيداً عن نظريات المؤامرة التي تتهم هذه المواقع بتسيير الرأي العام نحو نتيجة واحدة محددة مسبقاً، فإن “مواقع التواصل الاجتماعي” أصبحت في حالة اليوم بعيدة جداً عن حالتها التي كانت عند انطلاقها أو في ذروتها مطلع العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، إذ غدت تعزز انغلاق الجماعات على نفسها وتسد الطرق أمام “التواصل الحر” وجمع الآراء المختلفة ولم تعد وسيلة لمطالعة رأي مختلف أو شيء من هذا القبل.

عائلتي مثلاً (أنا وإخوتي) موزعة على أربع دول

بغض النظر عن كوننا كسوريين بحاجة لهذه المواقع ولجميع وسائل التواصل بعدما بتنا مشتتين كلياً -عائلتي مثلاً (أنا وإخوتي) موزعة على أربع دول- إلا أن المستخدمين شرعوا بالانغلاق على مجموعاتهم المقربة شيئاً فشيئاً.

على سبيل المثال: أنت كمستخدم لديك اهتمامتك، الرياضة مثلاً أو الأخبار السياسية، بالتأكيد لن تنضم إلى مجموعة أوصفحة طبخ أو مجموعات الحب التي ينشؤها المراهقون! إن كان انتماؤك القومي شيئاً مهماً بالنسبة لك فبالتأكيد ستكون المجموعات والصفحات ذات الميول هذه من أولوياتك في مواقع التواصل الاجتماعي وبالتأكيد -إن كنت متعصباً لقوميتك- ستشتم القوميات الأخرى التي ترى أنها معادية لقوميتك، إن لم تشتم فأنت مهذّب جداً، وذلك ينطبق أيضاً على المتدينين مهما كان دينهم.

مستخدمون - كاريكاتير: خليل المصري
مستخدمون – كاريكاتير: خليل المصري

قد يزعجك أحدهم بمنشوراته التي لا تعجبك فتلغي متابعته

لا تتوقف المسألة عند الاهتمامات، بل حتى في الآراء ضمن أصدقائك الشخصيين، قد يزعجك أحدهم بمنشوراته التي لا تعجبك فتلغي متابعته، إن لم تلغِ الصداقة على موقع التواصل الذي تستخدمه أو تحظره بشكل نهائي، رغم أن الشخص ذاك تعرفه منذ فترة بعيدة تسبق عصر الإنترنت ربّما، إن قمت بخطوة من هذا النوع فلك أن تتخيل حجم الانغلاق الذي وصلتَ إليه والمساعدة الكبيرة التي منحتها لك مواقع التواصل الاجتماعي لممارسة هذا الانغلاق.

أما عن نتائج ذلك على المجتمع، حقيقة لم يتكون لدي تصور واضح لنتائج تعزيز الانغلاق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن لا أعتقد أن النتائج ستكون جيدة بشكل عام، إذ أن هذه الخدمات أصبحت مصادر توتر جديدة للعلاقات الآدمية، إذ مكنّت شريحة واسعة من استخدامها لأهداف عشوائية، شريحة تجمع علماء الجينات والطبيعة والفيزياء مع أنصاف المتعلمين وأحياناً عديمي التعليم، لترى أحدهم الذي بالكاد حصل على شهادة التعليم الثانوي يقول لشيخ كهل حصل على شهادة جامعية قبل عقود “إنت شو بفهمك”!! هذا إن لم يشتمه بأقذع العبارات إن كان من مجموعة إثنية أو دينية تخالف مجموعته.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s