التعذيب تحت مظلة القانون


واضح جداً أن السلطة في سورية لن تتغير، بندورة الأفرع الأمنية وخس التشبيح وخيار الفسافيس تركيبة ثابتة في سورية المستقبل، توابل بشار الأسد قد تستبدل ببهارات سهيل الحسن، والباقين تحصيل حاصل، ولكن أكثر الثوابت ثباتاً في “سورية الأسد*” المستقبلية هو التعذيب تحت مظلة القانون، صحيح أن جميع الدساتير المقترحة والداخلة حيز التنفيذ والسابقة والحالية كانت تعتبر “الحرية” حقاً للمواطن، لكن هذه الحرية تشمل “حرية طرق التعذيب”.

حتى لا أدخل بأمور فلسفية فللتعذيب طرق عديدة على الجسد والنفس، ممكن أن تتم عبر التضييق على الإنسان دون حبسه وغير ذلك، لكن حديثي فقط عن التعذيب في الفروع الأمنية والسجون العسكرية، لأن ما يحدث في السجون المدنية “نزهة” بكل معنى الكلمة، ومهما تم نشر تقارير عبر وسائل الإعلام وعبر المنظمات الحقوقية والجمعيات المعنية وغير المعنية حول هذه المسألة، يبقى التعذيب في سورية هو التعذيب، وأعتقد أن الطرق المستخدمة فيها لا تستخدم في دول أخرى، اللهم ما عدا بعض الدول العربية الشقيقة.

الصورة الأولى في خيالي لسورية المستقبل هي لعنصر متطوع في أحد فروع الأمن يضرب سجيناً ربما كانت تهمته “فيسبوك” بشكل عام، أي أنه كتب منشوراً إيحائياً ونجره أحدهم تقريراً لا يخاف، هذا العنصر (الجلاد) محمي بالقانون في بلاد الأسد، إذ تمنع القوانين معاقبة “مطبقي القانون” مهما طبق هؤلاء من هوايات إلى جانب ذلك القانون، رغم أن تعريف لأجهزة الأمن هو أنها جزء من السلطة التنفيذية التابعة للحكومة، وهي فعلياً كيان مستقل مرتبط مباشرة بالقصر الرئاسي، ولا أرى أن شيئاً من هذا القبيل سيتغير في السنوات العشر القادمة على أقل تقدير.

وبناء على القوانين المرعية رعياً والمجترة اجتراراً فإن مجرمي حرب مشهورين سيحتلون واجهة الساحة السياسية، وقد كتب كثيرون عن تلميع روسي لصورة مجرم الحرب سهيل الحسن الذي رفعه بشار الأسد لرتبة عميد، ومثله كثيرون ما زالوا مشغولين حالياً في إشباع رغباتهم السادية ونوازعهم الإيمانية التي تمنع وقف إراقة الدماء قبل “ظهور المهدي أو مقتل السفياني”، وهنا تظهر الصورة الوردية لتنظيمات المعارضة الإسلامية إذ أن رأس مال هؤلاء كان “إقامة دولة تحكمها الشريعة” وليس استمرار القتل انتظاراً لوعد إلهي ليس موجوداً إلا لدى مخيلة بعض المتعصبين!

المضحك في كل هذه الصورة هو نشاط “المعارضة اليسارية” التي لا تألُ جهداً لعقد اجتماع هنا وندوة هناك، حول الدستور حيناً وعن حقوق المرأة أحياناً، وغالباً ما يتحدثون عن أسس بناء الدولة أو السلم الاجتماعي، رغم أن من سيقود المرحلة القادمة لن يعيرهم مقدار ذرة من اهتمام، فعلى سبيل المثال كان شتم “رندة قسيس” -رئيسة منصة آستانة وحركة المجتمع التعددي- نقطة إجماع لدى المتعصبين على اختلاف مشاربهم العلوية والسنية والشيعية، إذ أن الوقت ليس لحسابات من هذا النوع، الوقت لإسالة دماء البشر بنظرهم.

كل هؤلاء يمارسون ما يشاؤون وتحت الأرض أناس على قيد الحياة مع وقف التنفيذ، قد يدركون تعاقب الليل والنهار وأين أصبح التأريخ وفقاً للتقويم الغريغوري، لكن ذلك لا يعني شيئاً إلا تراكم آثار السياط وضربات الأحذية العسكرية المتعفنة وكدمات أخمص البندقية الروسية بيد متطوع أحمق لم ينجح في الإعدادية إلا بشق الأنفس قبل ثلاث سنوات ربما، بعضهم يموت جراء ذلك التراكم، وسيكون أهله في غاية الامتنان إن حصلوا على “شهادة وفاة” يذيلها شخبطة “طبيب شرعي” قال فيها إن “سبب الوفاة احتشاء عضلة القلب”، وسيشكر هؤلاء الله مراراً إن لم يتم سؤالهم عن هذا المتوفى لاحقاً من قبل الأجهزة الأمنية.

بعد مضي سبع سنوات تماماً على ربيع العام 2011، كل شيء تغير إلى الأسوأ، حتى طبائع البشر، إلا أن شيئاً واحداً ظل ثابتاً هو أن من ترك دراسته مثلي في انتظار الإكمال يوماً ما زال منتظراً، و “الأحوال” طالما بقيت على ما هي عليه فالله أسأل أن يتلطف بإدراكي.


  • عن سر عبارة “سورية الأسد” يقول شخص وصف نفسه بأنه “باحث علوي”: إن المقصود تعظيم اسم البلد بعبارة “الأسد” وليس اسم عائلة الأسد! أنا صدقته وأنتم؟!
Advertisements

فكرتان اثنتان على ”التعذيب تحت مظلة القانون

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s