الدين عند العرب قبل الإسلام


فكرة واحدة تراودني منذ أيّام وهي عن الدين عند العرب (في شبه الجزيرة العربية) قبل الإسلام (بعثة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في العام 610 ميلادي)، والمعروف أن الله وصفهم في القرآن الكريم بالمشركين، ويقول الله عز وجل في الآية 38 من سورة الزمر:

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ

إذاً فقد كان العرب يؤمنون بوجود الله، إلهً خالقاً قادراً، ولكنهم يشركون معه في الألوهية الأصنام، وحتى لا أدخل كثيراً في أمور لا أجيد الحديث عنها حول العقيدة والإيمان والكفر، أكتفي بالإشارة إلى أن الكفر بالشيء ضد الإيمان به، يعني مثلاً أنا لا أؤمن بما يقوله المسيحيون اليوم عن كون المسيح ابن الله أو هو الله، فأنا كافرٌ بعقيدتهم هذه، يينما أؤمن أن مريم كانت عذراء عندما حملت بالمسيح وعندما ولدته، وهلمّ جرّاً.

وفي الحقيقة ما وجدته أن العرب لم يكن لديهم الاهتمام الكامل بالاعتقاد الديني ولكنهم -كما قال ابن تيميّة- كانوا “حنفاء يعبدون الله وحده ويعظمون ابراهيم واسماعيل ولم يكن لهم كتاب يقرؤنه ويتبعون شريعته وكان موسى قد بعث إلى بني اسرائيل بشريعة التوراة وحج البيت العتيق ولم يبعث إلى العرب لا عدنان ولد اسماعيل ولا قحطان”، وذلك قبل الجاهلية وعبادة الأصنام.

والشهير أن “عمرو بن لحي ابتدع الشرك وعبادة الأوثان”، وكان عمرو بن لحي من سادة مكّة أثناء خضوعها لقبيلة خزاعة قبل أن تسودها قبيلة قريش، ونسبه كما هو متداول “عمرو بن لحي بن قمعة الخزاعي، ومن عقب إلياس بن مضر كما قيل عمرو بن لحي بن قمعة جد خزاعة”، وقد ذمّه النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر من حديث منها ما جاء في مسند أحمد وصححه الألباني: “إن أول من سيب السوائب و عبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر و إني رأيته يجر أمعاءه في النار”.

ولعدم وجود دراسات دقيقة حول عام دخول العرب في الوثنية فما يلي هو بناء على تقديري الشخصي -والله أعلم-. من المعلوم أن البيت الحرام كان له مكانة خاصة عند العرب جميعاً وقيل إن قبيلة خزاعة تولّت ولايته ثلاثمائة سنة وقيل خمسمائة سنة حتى مجيء قصي بن كلاب الذي أخذ ولاية البيت من قبيلة خزاعة، ويذكر ابن اسحاق أن “قصياً عندما كثر ماله وانتشر ولده وعظم شرفه في مكة رأى بعد موت حليل أنه أحق من خزاعة في حكم مكة لأن قبيلته قريش هم قرعة ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام وصريح ولده”.

والروايات في مجملها تجمع على أن قصياً قد استعد لانتزاع ولاية البيت من خزاعة، وخرجت خزاعة لقتال قصي ومن معه من قريش وكنانة وحلفائه قضاعة، حيث اقتتلوا قتالاً شديداً بيوم الأبطح، حتى كثر القتلى في الفريقين وظهرت الغلبة لجيش قصي، ثم رأى الفريقان أن يتحاكما إلى رجل من العرب وهو سيد بني كنانة يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بأن كل دم أصابه قصي من خزاعة موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة من جيش قصي ففيه الدية، وأن تترك خزاعة ولاية البيت وأمر مكة إلى قصي.

ومن المعلوم أيضاً أن نسب النبي هو: محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم عبد مناف بن قصي بن كلاب، وإن جعلنا بين الجيل والآخر 20 سنة فإن التقدير يصل إلى 80 أو 100 سنة كانت بين استلام قريش لولاية البيت الحرام في مكة المكرمة وبين مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام، إضافة إلى أربعين سنة قبل البعثة ثم عشر سنين قبل الهجرة إلى المدينة المنوّرة.

وتأثّر بعض العرب بالأديان الأخرى كاليهودية والمسيحية، ولعل كنيسة جبيل النسطورية غربي المملكة العربية السعودية أحد الشواهد على ذلك، وكذلك “ورقة ابن نوفل” قريب السيدة خديجة بنت خويلد زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد كان ورقة على النصرانية، فهناك يهود ومسيحيون من سكان الجزيرة العربية وآخرون قدموا إليها مثلما حدث عندما نفى الرومان اليهود من أرض فلسطين بعدما ثاروا بقيادة بار كوخبا في العام 135 ميلادي، بالإضافة إلى تؤثر آخرين بالديانات الأخرى كالمجوسية والصابئية وغيرها وهؤلاء أقل عدداً، ومن المعروف أيضاً أن بعض العرب كانوا يؤمنون بالتوحيد الحنيفي على ملّة ابراهيم.

عودة على ذي بدء، فإن التقديرات تشير إلى أن عبادة الأصنام الشركية دخلت الجزيرة العربية قبل نحو 400 إلى 600 من البعثة (610 ميلادي)، أي أن ذلك كان بين العام الأول للميلاد إلى العام 200، أي قبل إعلان المسيحية ديناً رسمياً للإمبراطورية الرومانية، وما قبل ذلك فإن العرب فيه كانوا بغالبيتهم على دين الحنيفية، ولعل ذلك ما جعل تسمية “الجاهلية” الأكثر استخداماً للإشارة إلى هذه الفترة من تاريخ العرب في الجزيرة العربية.

لذلك تجد أن الله في القرآن يخاطب الإنسان لإثبات وحدانيته عز وجل أكثر من إثبات وجوده، وقد ورد لفظ “حنفاء” في القرآن الكريم مرتان، ومجموع ما أشار إلى الحنيفية فقد يبلغ اثنتي عشرة مرة، وذلك كما ذكرت آنفاً لم يكن شيءً غريباً أو غير مفومٍ بالنسبة للعرب، وذلك أيضاً ما يفسّر -ربما- الانتشار السريع للإسلام بينهم، ويفسّر أيضاً كفرهم ببعض الدين في فترة حروب الردة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وأواخر حياته، فمنهم من رفض الزكاة مثلاً.

في العموم لم يكن الدين مسألة مهمة بالنسبة للعرب في الجاهلية فقد كان بعضهما يعتنق ديناً آخر أو يتزوج من امرأة أو امرأة تتزوج من رجل من دين آخر بلا حرج، ولكن كانت الأخلاق بالنسبة لهم شيءً معتبراً ومن آياتها رفض أبي جهل اقتحام بيت النبي لوجود نساء فيه خوفاً من تعيير العرب له إن فعلها. في الختام، أثناء بحثي عمّا يعزز هذه الفكرة وجدت بحثاً في ثلاثين صفحة بعنوان “الحياة الدينيّة في شبه الجزيرة العربيّة قبل الإسلام” بإمكانكم تحميله وقراءته من الرابط التالي (هنا).

Advertisements

3 أفكار على ”الدين عند العرب قبل الإسلام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s